ثلاثة نصوص

حنين جمعة


1. نَهْرٌ وغَزَالٌ بَريّ ...

في الوَصيةِ التي تركها تَحتَ وسادتهِ -بيضاءَ بغيرِ توقيعٍ- لم يسمِّ وريثاً واحداً لقلقهِ، فقطْ رسمَ نهراً وغزالاً بريّاً، أشعلَ نعاسهُ القليلْ، كَسّرَ أغطيتهُ الباردة، و تبخَّرَ سعيداً كطفلْ!

تَقولُ زوجهُ التي يفعلها انتظارٌ طائشٌ أنّها عثرتْ على ذاكرتهِ قربَ حوضِ الاستحمامِ مقشرةً من الصراخِ ورطبةً، وأن رائحةَ شموعٍ وزيتْ تنبعثُ من سريرهِ كلّما انقطعتْ الكهرباءُ، ولم تعرفْ منذ التقطها غيابهُ أين تُخزّنُ كلَّ هذا الرمادْ!

صارتْ تستحي من القهوةِ والحطبْ، وتنسى أن تسكبَ صَوْتَهَا فيما الجيرانُ مزمنو الفضول جَائعونْ.  اعتاد الصباحُ على رؤيتها جالسةً قُربَ النافذةِ، تفقأُ قلبَ الغبارِ بأنفاسٍ خافتةٍ، تُقَدِّمُ وطناً مبللاً بالماءِ للعصافيرِ الضالةِ والمحبطةِ، تهمسُ كلاماً أزرق في أذن الغيوم.

أقسَمَ جارها العاديُّ، أنه رآها تخبئ قوسَ قزحٍ في ثيابها وتنامْ، وعندما سألها، قالت: إنَّ زوجها ينسى لونه كل نوم، حتى أنها تخلط بين رائحتهِ ورائحةِ الشتاء.

وفي المرة التي رآها تخلع ثيابها وتمطرُ رقصاً وأغنياتْ، لم ينكِرُ الجارُ أنَّ وردةَ شفتيها تَشهقهُ وأنَّ فراشةً على كاحِلها تنهمرُ عليه تأملاتٍ وأرقْ، راح يقتربُ من النافذةِ منهمكاً في رغبته، معجوناً بقدرةٍ مربكةٍ على الحبْ، يحكُّ الزجاجَ فتخدشه النشوةُ ويعتريه قمرٌ حديثُ الميلادْ، وعندما امتلأ بالغاباتِ والسماء ... طرق بابها بيدينِ من نشيدْ، ولمْ يفهمْ حين فاضَ مَنْزِلُهَا ليروي عطشَ المدينةِ، كيف ركضتْ ضاحكةً كشمسْ!

2. "فلكأن صوتها نشوة التيه"

وليس على قلبه قلادة، وزعه الجنون في فناجين للأحاديث الظامئة، والمناديل التي تزف حول ماء مجاز، صديقاً لما يسكبه الليل، مرفأً وغصن ذاكرة في عبث النهار، جسداً رطباً لعابرات في الورد، وكل الغناء الذي حضرته الشمس ... !!

وكان عليه أن يكبر في الغياب، فلا تحاصره الأمكنة، ولا العيون منهمكة في نعاسها الرخيص، قد فاض ملحها، فجفت عن رحيله النبوءة،

ولو أن رباً في جرح الغيم يقبض نزيف قلبها، تنشق من قميصها الغواية.

أينما ولى ظله، صفق عرس كبعض الحب، وثمة امرأة جديرة بتجاعيد النجوم وماجنة، يواعدها وتراً ثامناً دون أن يكتمل الخمر، يوغل في عزف أطفالها مطبقاً على الدخان في حصاره، تغني، تغنّي، فلكأن صوتها نشوة التيه.  حدثه عن الرقص والقنابل، وعن عائلة من النوارس القمرية في التراب، وكيف يجيء الغيب عالقاً بنساء من حرب وحب، وربما علمته الصراخ في فقاعة من الغبطة، وابتكرت من أجله نبيذاً بحرياً في ليلة للغرق الأبدي.

لا يزال منغمساً في نوايا حزنها، يدثره سلام الرقص، حيث لا يتشبه بالموت على فراش الورد سواهما والليل، فيود لو يقطف قمراً للعتمة أو صباح.

3.  كيف تمتلئ بكل هذه الشمس؟!

تعال أقص لروحك صباحي المتعب، ليس ظل الحلم كجداره، أستقبل وجه الهواء واثقة، ثم أقذف بالصراخ الذي بحوزتي.

النافذة شكل الحقيقة والحلم، يخيّل لي أنها ترى السفينة والجبل، وترى فراغي من فراغ أحتويه!

ألف فكرة تنبثق آتية من جزيرة عصفور، تغسل أرقي برقصة أو قصيدة، أظل عالقة بفكرة البدء، لعل السحاب يبخرني غضباً ملائكي الرحلة، وأكون كررت كل الأساطير في السفر.

أليست زخرفة في سواد القلب هذه القصة؟!

لا أراني إلا مطبقة على حلم سماء، أحرر أنفاسي على جسده، ويمنحني مبسماً أخيراً، أتقطر في حديث النراجيل والقهوة الحيادية.

إنها خدعة!!

تبني المدينة أعشاشها في حجرتي، لا مكان لقبلة عاجلة، وأنت جزء هذا الجزء الذي يؤرقني، تتكلم بصوت غابة، تنتشي في دعوتي إلى الركض، وتنثر في خزانة قلقي انتظارك،

كيف تمتلئ بكل هذه الشمس؟!

أخلع تفاصيل العاديين، أصير واقعية تغري الحالمين، العاديون لا يحلمون، وإلا كانت الهاوية.

أحاول أن أشهد أنفاسك ممزقة في المواعيد، تصير المشاهدة أكثر غموضاً، وأنا طيف صغير على الخوف ما زال، أروض ما تبقى من شهوة الوقت، أينما وضعته ناظر جسدي، ربما يسعده كل هذا الحنين لدي ...

أقول: أنا ثوب هذا العالم تعاندني الريح، يذهب جسدي إلى صلاته كافراً،

وأسأله: بربك، كيف تصلي؟؟

أقول: في قلبك أنا التحية الطفلة، أهبط من ذاكرة ولغة إليك.

أقول: تعال ... وأظنني خرست!!