غزة المختلفة

د. عاطف أبو سيف

في معمعة الحديث عن السياسة وعن التطورات الميدانية والحروب والعدوان تغيب صورة غزة الأخرى، تلك الصورة التي لا تراها وسائل الإعلام، أو هي لا ترغب أن تراها، حيث إن المغري في غزة يبدو الخبر الساخن المليء بالتوتر والمعجون بالدم والمخبوز بالألم. اما حين يتعلق الأمر بأي شيء آخر يتحدث عن الحياة والحب والإبداع والأمل فيبدو ترفاً لا يليق بغزة ولا تحبه وسائل الإعلام. هذه الصورة النمطية التي جعلت من غزة مخبزاً للمعجنات الشهية من الأخبار العاجلة ومن التقارير الصارخة، لا تسعى لشيء أكثر من تقديم غزة ضمن قالب صلب تغيب فيه ملامح المدينة، ويصبح السكان مجرد أرقام تلتهمهم آلة البطش والقتل والتدمير، وتصبح الحياة عجينة الموت المرغوب والمتوقع.
غزة المختلفة لا تستهوي الإعلام، ولا تحتل الصدارة في التقارير، بل إنها تغيب في آخر الصفحات والأسطر إن وجدت، وتكون بإشارات ضعيفة لا تلفت الانتباه، فالكل منشغل بغزة المتوهجة المحترقة المدمرة، غزة المحاصرة التي تعاني من أبشع آلات القتل والبطش، لكنها قادرة على أن تكون غزة. كما أن الصورة النمطية التي أشرنا لها سابقاً تعيد انتاج نفسها حتى تستمر نشرات الأخبار في تقديم الوجبات الساخنة من المشهد داخل القطاع المنكوب دائماً. وما عدا ذلك يتراجع للخلف، ويختفي بشكل كامل، فالمطلوب أن تكون الصورة كما هي وبنفس المواصفات وبنفس الجاذبية للمتابع.
غزة المختلفة المليئة بالحيوية رغم الحصار، القادرة على الإبداع رغم العدوان، الواقفة بثقة تصبو للسماء رغم بشاعة الدمار على الأرض. غزة التي تتمرد على صورتها النمطية وتريد أن تكون مثل أي مدينة ساحلية في العالم، غزة التي يشبه بحرها كل بحور الكون، كما يفوح من بيارات برتقالها شذي يملأ الصدور نشوة، والتي تقف بناياتها او أبراجها منتصبة الهامة لا يزعجها إلا صوت الزنانات في السماء، والتي فيها كل ما قد تستدعيه الحياة من تفاصيل تليق بمدينة يقترب تعداد سكانها (كمدينة) من مليون نسمة، مكتظة أسواقها، مكتظة مدارسها، فقيرة أحيائها، متناقضة في تفاصيلها، لكنها مثل كل المدن لها ما يميزها وبها ما يفصلها عن غيرها.
غزة المختلفة تقول شعراً وتكتب نثراً وتسرد قصصاً وتنظم معارض للفن التشكيلي، ويقف فنانوها على خشبة صغيرة للمسرح جمهورهم ليس بالآلاف لكنه جمهور يصفق لهم في نهاية العروض، غزة المختلفة تنتج أفلاماً قصيرة قصر شاطئ بحرها، لكنها أفلام تُعبر عن واقع الحال أو هي تقدم غزة كما يراها فنانوها، غزة المختلفة فيها شاب يحلم أن يلعب في أحد الأندية الكبرى في العالم، وفيها من يحلم بجائزة نوبل، وفيها فنان يريد أن يذهب لهوليوود، وطفلة تريد أن تشارك يوماً بمسابقة ملكة جمال الكون، وطالب يريد أن يقدم اختراعاً لم يسبقه إليه أحد، وفيها إلى كل ذلك شعب يصبو إلى حقوقه وأرض آبائه وأجداده التي لن تحرمه منها السنون مهما طالت والباطش مهما بطش.
غزة المختلفة يقوم أطفالها العلماء باستخلاص "الدي ان أي" مثلا من الموز في تجارب علمية متواضعة تحملهم على بساط العلم في المستقبل لو وجد من يهتم بهم ويرعاهم. إنها غزة التي تجدها مثلاً في معرض أيام العلوم في مركز القطان للطفل الذي يسعى إلى دعم عملية تعليم العلوم في المدارس، ونشر الوعي لدى الأطفال بالقضايا العلمية والتكنولوجية والبيئية المعاصرة بشكل ترفيهي وميسّر.
في إحدى زوايا المعرض هناك مجموعة من الفتيات والفتيان بزي العاملين في المختبرات العلمية يقومون بتأدية التجارب العلمية بطريقة متقنة تمتد من البكتيريا إلى الحمض النووي ويقومون بالحديث عنها وشرحها للزوار. وعلاوة على ذلك، يقومون بتجارب علمية مثل استخراج وفحص الـ DNA من مختلف الفواكه والخضراوات يناقشون الإيجابيات والسلبيات للأغذية المعدلة وراثياً. وفي زاوية أخرى يقوم الأطفال بصناعة الجبنة وبعض الأطعمة ويتذوقونها ويتذوقها الزوار. وفي زاوية أخرى يناقش الأطفال الأفكار والتقنيات والأجهزة الطبية الحديثة وقدرتها على تحسين جودة الرعاية الصحية.
الأطفال العلماء يقومون بهذا بدهشة ومتعة سعداء وهم يرون الابتسامات والدهشة على وجوه الزوار. كما يركز المعرض على تكنولوجيا المستقبل حيث تجد معرض التكنولوجيا الإحلالية القائمة على إلغاء الأساليب والممارسات التقليدية من جهة دمج الحقيقة أو الواقع في العالم الافتراضي عبر آلية الواقع المعزز أو الحقيقة المدمجة (Augmented reality)، وهي تقنية معلوماتية حديثة تستطيع تحويل الصورة الحقيقية إلى صورة افتراضية على شاشة الحاسوب. مثلاً يمكن أن تصبح حركة اليد البشرية أمام كاميرا صغيرة حركة لحيوان أسطوري على شاشة الكومبيوتر. ومثل الأطفال فقد يقوم الزائر بالعمل على إحلال الواقع الافتراضي محل العالم الحقيقي باستخدام المحاكاة. ثمة أطفال سيرشدونك على سبل الاندماج في أحد برامجهم، وسيكون ذلك ممتعاً. كما تجد الأطفال يقومون بتركيب روبوتات على أشكال وهيئات مختلفة ويتم برمجتها والتحكم بها آلياً بطريقة تقول لك أين يتجه العلم.
إلى جانب ذلك، ثمة مهرجان للأفلام العلمية يركز على "تقنيات المستقبل"، حيث سيستكشف الأطفال والزائرون للمهرجان المستقبل من خلال عروض الأفلام العلمية، وأنشطة علمية تفاعلية بعد عرض الأفلام وتتمحور حولها. ويشمل المهرجان أنشطة علمية تفاعلية، ومعرض "كولاج إلكتروني" يضم لوحات فنية صنعها الأطفال من الخردة الإلكترونية مثل بقايا الكمبيوتر والرموت والأجهزة الخلوية وقطع من الراديو والطابعات وغيرها. في المعرض لوحات فنية بطريقة جديدة يبدع فيها الأطفال في استخدام نفايات المستقبل العلمي لتزيين جدار منازلهم ومكاتبهم.
هذه إحدى صور غزة المختلفة، غزة المبدعة، غزة التي تحب الحياة ما استطاعت إليها سبيلاً، وهي تستطيع كثيراً في ذلك رغم قهر الواقع وقسوة المحيط. إنها غزة البعيدة عن الصورة، لكن القلب أيضاً بعيد عن مظهر الجسد الخارجي، غزة المختلفة في كل شيء. وهذه ربما دعوة أن لا يتم قبر غزة هذه في النمط والصورة، فالشعب الذي لا يبدع لا يقاتل، فالبحث عن الحرية إبداع البشر الأكثر إنسانية، وهو بحث لا يقهر الإنسان في الإنسان، بل يُثوّر مواطن الإبداع وينوع من طقوس الحياة ويخلق من المدينة المنهكة بسبب الدمار والتشريد مدينة شابة حية متفاعلة ومبدعة: إنها غزة المختلفة
.


تم نشر المقال بتاريخ 17 تشرين الثاني 2014 في صحيفة الأيام