من بين القذائف والصواريخ أحدثكم

مي عامر

أكتب هذه الكلمات ولا أعرف مصيري ومن معي، أو حتى مصير هذه الكلمات هل أستطيع طباعتها؟ هل ترى النور؟ أم تدفن تحت أنقاض البيت الذي لجأنا إليه.  في حال قراءتك هذه الكلمات فاعلم أنني نجحت في الحصول على بعض الساعات من الكهرباء عن طريق المولدات الصغيرة.

لا مكان آمن في غزة، هربنا من جحافل الدبابات وقذائفها لنواجه صواريخ وقنابل كل من طائرات (إف 16) و"الأباتشي"، ناهيك عن طائرات الاستطلاع وطنينها المزعج الذي يغطي أحياناً على أصواتنا.  حتى البحر لم نأمن منه، فزوارق الاحتلال تتسلى فيه بين الحين والآخر بطلقات من الرشاشات والقذائف التي زارت معظم أرجاء غزة.  يجمع هذا البيت حتى الآن ثلاث أسر وهو بذلك حاكى معظم البيوت والشقق السكنية الموجودة في مركز المدينة، التي أصبحت ملجأً للهاربين من الدبابات في المناطق الحدودية.

 

عزلنا عن العالم وما يجري حولنا، لا نعرف من الأخبار إلا ما نسمعه من قذائف وانفجارات نتبارى على توقع أماكن سقوطها، بالإضافة لما يتسنى لنا معرفته من بعض الإذاعات المحلية عبر المذياع الصغير، فالكهرباء مقطوعة منذ أيام طويلة، نكاد نكون اعتدنا على عدم وجودها، قد يكون ذلك أهون علينا من رؤية الأشلاء الصغيرة بين أنقاض المنازل المدمرة عبر محطات التلفزة.

 

بين الحين والآخر تسقط القذائف حولنا على هذا المنزل أو ذالك وتدمره بمن فيه، وأخرى تسقط على ذلك المسجد هنا ضمن حرب استهدفت المساجد بشكل رئيس أينما وجدت، وأصبحنا بين هذه الأمطار الصاروخية نترقب سقوط القذائف، أين المفر؟ ولم يبقَ أمامنا سوى أن نسلم بالقدر ونتقبله فالقذيفة التي ستصلنا ستكون قدرنا لن نستطيع الهروب منها أينما ذهبنا.

 

زيادة على ذلك ترقب وانتظار اقتحام الاحتلال الإسرائيلي للمدن ضمن المرحلة القادمة من الحرب، وما يمكن أن يرتكب جراء ذلك من مجازر وسقوط للضحايا بالآلاف، فالملاحظ حتى الآن الوحشية التي تسبق الجنود الإسرائيليين، عائلات في طريقها للانقراض، فهم يجمعون السكان المتجاورين في مكان واحد ويطلقون عليهم القذائف والرشاشات، كما حدث مع عائلة السموني في حي الزيتون، وهذا ما استطاعت وسائل الإعلام اكتشافه، إذ تستهدف الأطقم الصحافية في كل مكان ويمنعون دخولها مع الإسعافات للمناطق المنكوبة.

 

رائحة الموت والدمار تنتشر في شوارع غزة المهدمة، ففي الساعات التي يسمح لنا فيها بالحركة، والتي لا تتعدى الساعات الثلاث يومياً، لا ترى سوى الباحثين عن الخبز والماء، فالمخابز عجزت عن سد حاجة السكان، وإذا صدف ورأيت أحداً يحمل الخبز تتجمع عليه المارة للاستفسار عن مكانه، لكن سرعان ما يخيب أملهم، فالقليل الذين يتوفر لديهم أفران الطين في البيوت القديمة يساعدون أقاربهم في صنع الخبز.

 

أما الماء فهي سر الحياة وما ساهم في استفحال هذه الأزمة هو انقطاع التيار الكهربائي وتعطيل المضخات، فلا يترك أي إناء يصلح لحمل الماء إلا وتجده بين أيادي المارة المتجهين لأصحاب الآبار الشخصية في منازلهم.

 

هذه حياتنا تحت النار في غزة.  إلى متى يستمر استهدافنا؟

 

7 كانون الثاني 2009