في غزةَ نحبُ الحياة

أحمد  عاشور


هذه دعوتنا، ولهذا كتبنا لكم بين هذه الأسطر ورسمنا شمعةً لغزة وهي تحترق لتلد الحب لنا.

شهر قبل الحرب على غزة كان فريق يراعات يقف في مبنى الهلال الأحمر العريق في مدينة غزة ويحتفل مع مجموعة من الكتاب والأدباء الغزيين بعيد ميلاده الثاني عشر، من خلال أمسية ومعرض شعري رسموا فيه حبهم لغزة واعتزازهم بنشأتهم فيها، وعبروا عن حبهم للحياة.

يومها كان يقف مبنى الهلال الأحمر بكل شموخ وسط المدينة ...  أسبوعان بعد الحرب على غزة، عادت الصديقة نداء بدوان الفنانة التشكيلية إلى المكان نفسه، وإلى المشهد ذاته .. مسرح الهلال الأحمر بغزة لتقيم معرضها الخاص.

ولكن هناك شيئاً ما تغير في المكان، السجاد الأحمر الذي يغطي أرض المسرح، والأضواء التي تنير المسرح، والجدران التي تقف في المسرح، والآلهة التي تغني في المسرح، وكعكة عيد ميلاد يراعات التي كانت على هذا المسرح .. كلها لم تعد هناك ... .

تحول المسرح إلى لؤلؤةٍ سوداء، تحملُ معها كل التاريخ، وتحمل فيها كل العبق، رائحتها هي رائحة البارود الذي تحطم في غزة، البارودُ غيـّر كل معالم المكان، إلا المكان نفسه لم يتغير، ولم يتغير الزمن، ولم تُمحَ الذكرى ولم يختلف المعنى ... يراعات كانت شاهداً على هذا المكان يوم احتفلت بعيد ميلادها هناك، ويوم أقامت نداء ابنة يراعات معرضها الأول على أنقاض المكان، وهكذا كل الأماكن في غزة، وكل المنازل، وكل المساجد، وكل الكنائس، وكل الشوارع تغيًـرت، وتبدل شكلها، ولكنها في قلوب الغزيين هي الأماكن نفسها بالمعاني نفسها وهذا الألم نفسه الذي أكتب به الآن تبقى عزيزة.

قد نموت، قد نتغير، وقد نغادر بعيداً خارج أسوار غزة، ولكن غزة تبقى، وسيبقى هذا الشاهد التاريخي على الوجود يُطل عزيزاً على البحر.

مشاهد من غزة
(1)
ربما شعرت للمرة الأولى بشعورٍ لم أستعد له جيداً قبل يومين من الآن، حين علمت أن معتز الصديق الصدوق عبقري الفصل قد مضى ... نعم قد مضى في هذه الحرب، أو هذا العدوان، لا تهمني المسميات بقدر ما تهمني الوقائع التي نتجت عن هذا الحدث، وأهمها أني لن أرى العبقري مرةً أخرى، ولن يجادلني في اكتشاف جديد من اكتشافاته.

(2)
حين قمتُ هذا الصباح متوجهاً إلى أحد الفنادق لحضور ورشة عمل يعقدها خبيرٌ ألماني حول كيفية التصرف وإدارة الأمور وقت الحروب، مشهد سريع وأنا في طريقي إلى الفندق رأيت للمرة الأولى غزة وهي تنتفض وتخرج شيئاً فشيئاً من تحت هذا الركام ... فالكم الهائل من رجال الدفاع المدني والبلدية والصيانة الذي رأيته في الشارع هذا اليوم يزيل الغبار عن جفون غزة الخجلة مما أصابها، شيء في غزة ليس بموجود حتى لدى ألمانيا بلد الخبير الذي أنتظر لقائه وقت خرجت بلاده من الحرب العالمية، شيءٌ يجعلُ من الفينيق واقعاً وليس أسطورة، فغزة قررت الوقوف منذ اليوم التالي للعدوان، ولم تترك حلمها في الوجود.

(3)
قصة حدثني عنها صديقي الشاعر خالد جمعة
طفلٌ غادر إلى بيت أقربائه بعد أن تحول بيتهُ إلى ركام وأثار منزل، زاره خالد ليهديه كتاباً صغيراً فباغتهُ الطفل بأنه يمتلك مثله تماماً، وأنه موجود بجانب حذائه الأحمر في الخزانة الصغيرة بجانب السرير ...

لم يدرك حتى تلك اللحظة أن ما حدث لبيته ولأغراضه الشخصية هي حقيقة يعتقد أنه سيعود غداً أو بعد غد إلى المنزل نفسه بعد أن تنتهي الزيارة.

(4)
طريق العودة لبيتي الذي تركته ورائحة البارود تملأني في منتصف الحرب حملت معي عبق من مضوا.  وحزن غزي فيه الكثير من الكبرياء رأيتهُ في تل الهوا، رأيت تل الهوا يحمل عمري الجديد بعد أن سلمته عشبي وعمري يوم تركته وذهب.

(5)
لحظة سماعي لقصة حنين من السرمدية مريم لا أدري كيف ضعتُ ... وأنا أستمع كيف فقدت حنين أباً وأماً وأخاً وأختين ينتمون إليها وتنتمي إليهم.
حنين ... دون أن أدري ضعت
حنين ... لليمون ذكرى دعينا نذهب هنالك نودع ما كان من نرجس ونولدُ من جديد
حنين ... لا أملكُ كلمات ... أملك أنا مريضة تنظر إليك.
حنين ... لا أعلم كم من المرات علينا أن نولد وكم من المرات علينا أن نموت.