إلى متى حياة التشرد والخوف؟

مي عامر

عشت الهروب بتفاصيله المرعبة مرتين خلال ثلاث سنوات فقط، ولكنه ليس أي هروب هذا الذي أتحدث عنه، إنه الفرار والنجاة بحياتك كما أنت، فقط أمسك أطفالك واهرب.  ويعود "الفضل" في ذلك للاحتلال الإسرائيلي وما يوقعه بالشعب الفلسطيني من قتل وتدمير منذ سنوات طوال، ولا يجد من يكفه عنا، أو حتى يتجرأ على مساعدتنا دون موافقة القوى العظمى.

 أما عن تجربتي الأولى مع الهروب فكانت العام 2005 خلال اجتياح الجيش الإسرائيلي لمنطقتنا بدباباته وآلياته العسكرية، ولم يكن قد مر على وضعي لمولودي الأخير سوى أربعة أيام، فوجئنا ساعات المغرب بقرار الاحتلال الإسرائيلي نسف البناية الملاصقة لمنزلنا والمكونة من خمسة طوابق خلال دقائق معدودة وكان علينا إخلاء المنزل بسرعة في الظلام المخيم على المكان جراء قطع التيار الكهربائي، فكل ما استطعنا عمله هو تلمس أطفالنا والهروب بهم، وكثير منا خرج حافي القدمين.

 

أما التجربة الثانية والأشد رعباً بالنسبة لي، فكانت في الأيام السابقة خلال العملية العسكرية القائمة على غزة منذ 27 كانون الأول 2008.

 

عشنا ليلة طويلة مرعبة تحت القذائف والصواريخ، وقد بدأ مسلسل القصف للمنطقة التي لجأنا إليها في التاسعة مساء عن طريق طائرات (إف 16)، إذ كنا هربنا في بداية الحرب من منازلنا القريبة من الحدود بعد أن توافدت أخبار الاجتياح الإسرائيلي للمنطقة، وتطايرت الشظايا لتضرب أسوار البيت، فاختبأنا في غرفة متوسطة من البيت وعددنا 15 فرداً.  وما إن انتهى قصف الطائرات حتى استلمت الزوارق البحرية المهمة وأكملت مشوار رفيقاتها، فكانت القذائف تهوي من حولنا وتضيء الغرفة، وبالطبع تتساقط الشظايا على السطح، وما إن هدأت الزوارق حاولنا تنفس الصعداء والراحة قليلاً، وإذ بأصوات جنازير الدبابات تخترق لحظات السكون المؤقت، وجاءت معها طائرات "الأباتشي" برشاشاتها، وأيقنا لحظتها أن ليلنا طويل، إذ لم تتجاوز الساعة 12 بعد منتصف الليل، والتصقنا ببعضنا محاولين تهدئة الصغار، وسمعنا عبر المذياع الصغير -حيث أن الكهرباء مقطوعة منذ يومين- أن دبابات الاحتلال احتلت منطقتنا، وأخذت تضرب البيوت المجاورة، وتسقط علينا قنابل غريبة من النيران، فكنا نشاهد النيران تتساقط من السماء عبر النافذة، ولحظتها لم نستطع حتى الكلام مع بعضنا، فكنا نتمسك بالصغار ونكتفي بالنظر في وجوه البعض والسكوت التام.  لقد عجزت الكلمات عن الخروج من الخوف، ودخل علينا دخان غريب مع دخان الحرائق التي اندلعت في البيوت الملاصقة لنا، إذ تكسر زجاج النوافذ من القصف تسبب في تسرب هذا الدخان إلينا، فحاولنا تخفيف معاناتنا بتمزيق بعض الفوط لقطع صغيرة مبللة بالماء للاستنشاق عبرها.

 

استمر هذا المسلسل من الرعب حتى 11 قبل الظهر من اليوم التالي، وكنا قد اتصلنا بسيارات الإسعاف والصليب الأحمر ومؤسسات حقوق الإنسان للتدخل، ومحاولة إخراجنا من المنزل، ولكن الاحتلال كان يرفض السماح لهم بدخول المنطقة.  وإذا بالأنباء تعلن عن وقت التهدئة من 11 ظهراً حتى الثالثة بعد الظهر، فقررنا محاولة الهرب في هذه الساعات، وما شجعنا على ذلك سماعنا لصفارة سيارة للإسعاف في المنطقة، فانطلقنا نركض عبر الباب الخلفي نحمل أطفالنا والفوط المبلولة، ولولا عناية الله عز وجل لانتهى بنا المطاف في قاعات الاستقبال بالمشفى، حيث خرج كثير منا -صغاراً وكباراً- حفاة بلا أحذية، وتفاجأنا بطريق وعرة لا تشبه الطريق التي نعرفها، كنا مررنا بها البارحة، إنها مليئة بقطع القنابل المشتعلة وشظاياها المتناثرة في الطرقات، وبمجرد أن يحركها أحد أو يلمسها تعود للاشتعال مرة أخرى وتطلق دخاناً أبيض، هذا ناهيك عن الجدران المحطمة حولنا والحرائق، وآثار الحرائق من الليلة الماضية، والبادية على الجدران والطرقات.

 

نجحنا أخيراً في الوصول إلى سيارة الإسعاف التي نقلتنا من المنطقة ونجونا بأرواحنا وأطفالنا في الوقت الذي لم يتجرأ عدد كبير من السكان على الخروج، ولم يستطيعوا حتى النظر عبر النوافذ، كان الحظ حليفنا بعكس الكثير الذين طالتهم هذه القنابل وأحرقت أطفالاً ونساءً كثر، وخنقت العديد من السكان المجاورين.

 

فهل كتب على الفلسطيني أن يعيش حياته مشرداً وأبعد ما يكون عن الاستقرار؟ أرجو أن تكون هذه المرة الأخيرة التي أعيش فيها لحظات الهروب.  ولكن لا أعتقد ذلك طالما الاحتلال جاثم على أرضنا، ويده تطال ما تريد دون رادع.

 

17 كانون الثاني 2009